بسم الله الرحمن الرحيم

                             أوباما أكبر تهديد للمسجد الأقصى عبر تسعين سنة *

 

 

الشيخ الدكتور رياض الندوي، 11/11/2009

 

قال تعالى: "ومكروا مكرا كبارا" (سورة نوح، آية 22)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وأله وصحبه أجمعين،

 

أوباما: المخفي والمكشوف

 

رغم التفاؤل الذي انبعث لدى كثير من الناس، بما في ذلك بعض المسلمين، بعالم أكثر سلاما واستقرار بعد انتخاب الرئيس باراك أوباما، وعلى عكس ما يبدو أنه خلاف بين أوباما واسرائيل، فإن أوباما يحمل أجندة تتهدد المسجد الأقصى والقدس المحتلة بل تجعل أوباما أكبر خطر واجهه المسجد الأقصى عبر التسعين سنة المنصرمة. وتهدف هذه المقالة إلى بيان حقيقة هذا الخطر الكامن في سياسة أوباما وأهدافه، وذلك من خلال تسليط الضوء على بعض الوقائع والخلفيات في حياة أوباما وحملته الانتخابية وبعض التناقضات بين مواقفه المعلنة وسلوك إدارته.

 

ستار الدخان: أوباما يمد يدا للعالم الإسلامي

 

يغشي الضباب أهداف وسياسة أوباما حتى احتار كثير من المراقبين في تصنيفه وتحديد ولائه. فبينما أصدر أمرا بإغلاق معتقل غوانتنامو وإنهاء المحاكمات العسكرية، فإن ذلك المعتقل لا يزال قائما واستمرت المحاكمات العسكرية لكثير من المحتجزين؛ ورغم إلغاء الإبعاد القسري لمشتبهي الإرهاب في العلن فإن إبعادهم استمر بأشكال خفية؛ وفي تناقض مع نية إنهاء الحرب في العراق سن 2009، فإنه لم يتم سحب أي قوات كبيرة من العراق وتمضي إدارة أوباما في إقامة سفارة أمريكية في بغداد بحجم مدينة صغيرة. بل إن الحرب تحتل المرتبة الأولى في أجندة إدارة أوباما كما كان حال إدارة بوش، ودليل ذلك قرار إرسال عشرات آلاف الجنود إلى أفغانستان.

 

رغم استمرار أوباما في خطط الحرب وتسخير القوات لها، تم منحه جائزة نوبل للسلام. وإذا تذكرنا أن ألفرد نوبل أوصى بمنح جائزة نوبل لأشخاص بذلوا أحسن ما يمكن لنشر التآخي وتقليص أو إلغاء الجيوش، فإن منح جائزة نوبل للرئيس أوباما رغم التزامه بالحرب وزيادة عدد القوات المحاربة يجعلنا، على حد تعبير إحدى الفتيات المسلمات اللماحات التي أرسلت لي تعليقها على منح أوباما جائزة نوبل، نشعر أننا أقرب إلى شعارات رواية جورج أورويل "1984" وهي "الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية، الجهل هو القوة" مما يجعل جائزة نوبل مثيرة للسخرية أكثر منها للإعجاب لاسيما وأن سجل حائزي الجائزة يضم اسحق رابين صاحب سياية "تكسير العظام" إلى جانب هنري كسنجر.

 

واختلط الأمر على المسليمن كذلك، فيرى بعضهم في أوباما المنقذ الأكبر ورسول السلام. وفي الواقع فإن أوباما سعى إلى رسم هذه الصورة لدى المسلمين بوسائل متعددة. فقد حرص أن تكون أول مكالمة هاتفية مع زعيم أجنبي مع محمود عباس، وأول مقابلة تلفزيونية مع قناة العربية الفضائية مادا يد صداقة للعالم الإسلامي، وحرص أيضا أن يكون أول خطاب رئيسي له خارج الولايات المتحدة موجها للمسلمين ومن بلد مسلم.

 

إلى جانب هذه الوسائل، ساعد في تشكيل ستار دخان يغطي أهداف وولاءات أوباما الحقيقية تلك الهجمة الإعلامية التي شنها عليه بعض رموز اليمين في الولايات المتحدة الأمريكية، ومنهم قناة "فوكس نيوز"  التي روجت لفكرة أن أوباما أكثر تعاطفا مع المسلمين. وعندما رأى المسلمون أن هذه القناة الموالية لإسرائيل تهاجم أوباما ظن بعضهم أنه قد يكون فعلا إلى جانبهم. ولم يلاحظ كثيرون أن هذه الهجمة أفادت القناة وأوباما حيث جذبت القناة مزيدا من المشاهدين من جهة، وأقنعت الناخبين أن أوباما يستطيع التصدي لليمين من جهة أخرى. وفات الكثيرين أن يتذكروا أن قناة فوكس نيوز مهدت لقبول العقلية الأمريكية لفكرة انتخاب رئيس أسود من خلال مسلسل "24" الذي بثته سنة 2007، وعلقت عليه الكاتبة لوسيا بوزالا في مقال سنة 2007 تساءلت فيه عما إذا كان ذلك المسلسل سيساعد أوباما لأن يصبح رئيسا.

 

ورغم ستار الدخان الذي يوهم بأن أوباما ضد سياسات اليمين، فقد وقع أوباما في حرج عندما انكشف أمر عشاء سري جمعه بقيادات من المحافظين الجدد قبل أسبوع من تسلمه مهام منصبه، وقد كان لهذا الانكشاف وقع الصدمة على مؤيدي أوباما.

 

وتتبدى دلالة التقاء أوباما مع بعض سياسات المحافظين الجدد من خلال انتقال بعض كبار المحافظين الجدد لتأييد أوباما حتى وصفهم البعض بأنهم "أوباما كونز" (محافظون مع أوباما). ومن هؤلاء أندرو سليفان ودوغلاس كميك.

 

وبعد انتخابه ومن ثم توليه منصبه توالت بعض المفاجآت الأخرى. فبخلاف شعارات العدل والإنصاف، فقد عارض أوباما مؤتمر دربان 2 للأمم المتحدة ضد العنصرية وأخبر زعماء يهود أن هذا المؤتمر تجاوز الخطوط الحمراء ولذلك قاطعته إدارة أوباما.

 

فأي شخص هو أوباما؟ لقد تأثر كثيرون بستار الدخان الذي يظهر أوباما كمتعاطف مع المسلمين ونصير لقضايا العدل والسلام، حتى أن 90% من الناخبين المسلمين في الولايات المتحدة صوتوا له. كما رحب أمين عام مظمة المؤتمر الإسلامي بانتخاب أوباما متفائلا ببدء عصر من السلام. (ولا بد من ملاحظة أن منظمة المؤتمر الإسلامي ما زالت تكرر مخاوفها وتنديدها تجاه الممارسات والاعتداءات الإسرائيلية ضد المسجد الأقصى والقدس الشريف.)

 

الخرافة مقابل الاهتمامات الشخصية

 

يمكن أن نفهم أسلوب إخفاء أجندة أوباما الحقيقية من خلال ترويجه كمرشح للحزب الديموقراطي. فقد تم تقديمه للحزب وقواعده كبطل قصة خرافية يتفانى في خدمة المجتمع، وذلك من خلال عمله كمنظم مجتمعي في جنوب شيكاغو خدمة للمجتمع المحلي الذي غالبتيه من السود، بدلا من أن يسعى وراء الأعمال المادية بعد تخرجه من جامعة هارفرد. إن الذي سوقه بهذه الصورة هو جيري كيلمان المعروف بمارتي كوفمان. وفي الحقيقة، وكما نقرأ في سيرة أوباما، فإن كوفمان احتاج لشخص أسود ليكون وسيلة اختراقه لجنوب شيكاغو ذات الغالبية السوداء، وذلك لضمان تعاونهم مع مشروعه في التنظيم المجتمعي لتوفير فرص عمل، وقد وقع اختياره على أوباما ليكون واجهة نشاطه. بل إن كوفمان، وهو يهودي، قدم نفسه ككاثوليكي "كلعبة" لكي يستميل الكنائس المحلية لتأييده. ويقول أوباما في كتاب سيرته الذاتية أن كوفمان طلب منه أن يستكشف من خلال مقابلاته مع الناس اهتماماتهم الشخصية، حيث إن التعرف على اهتمامات الناس الشخصية هو المدخل لمعرفة كيفية استمالتهم وإقناعهم. ويقول أوباما لكاتب سيرته الذاتية أنه تعلم كثيرا من كوفمان وأنه مقتنع بصحة أسلوبه رغم أنه قد يظهر تلاعبا وتحايلا.

 

ويبين كاتب سيرة أوباما أن مشروع التنظيم المجتمعي الذي قاده كوفمان وجعل أوباما واجهة له في الأوساط السوداء جنوب شيكاغو نجح في الحصول على تمويل من الحكومة لإيجاد فرص عمل، وتم اعطاؤها لأشخاص من البيض ولم يستفد السود في جنوب شيكاغو رغم أنه تم الحصول على التمويل لصالح تنمية منطقتهم وقد أثار ذلك شكاوى الناس، ويقول أوباما إنه بذل جهده للتخفيف من رد فعل السود في جنوب شيكاغو وأنه دافع عن كوفمان واقترح عليه أن يكون أكثر كياسة.

 

 إن تجربة أوباما مع كوفمان في جنوب شيكاغو تبين لنا أن لدى أوباما ولاء كبيرا لمن يعمل معه، حتى وإن تبين أن ما فعلوه غير صحيح. فإذا كان أوباما قد قبل أن يكون واجهة لكوفمان في مواجهة السود في جنوب شيكاغو فإنه سيقبل أن يكون واجهة لمشروع صهيوني إذا كان ارتباطه الواهي بالمسلمين يمكن أن يعطيه مصداقية ليكون وسيطا نزيها.

 

تجاوز العقبات

 

فلماذا يمكن أن يستخدم أوباما كواجهة لمشروع ضد القدس والمسجد الأقصى؟ إن تأييد أي رئيس أمريكي للمشروع الصهيوني الهادف إلى الاحتفاظ بالقدس الشريف والحصول على اعتراف بها كجزء من إسرائيل وإعطاء الاسرائيليين حرية أن يفعلوا ما يشاؤون بالمسجد الأقصى سيواجه عقبات كبيرة تتعلق بالقانون الدولي، والمشاعر الدينية للمسلمين، واحتمال الإضرار بالتجارة الدولية، والإضرار بالعلاقات العربية-الأمريكية، أسعار النفظ، وغضب المسلمين، الخ. ولذلك، رغم أي تأييد لدى الولايات المتحدة للفكرة الصهيوينة فإن المصالح الأمريكية تتحكم في التعبير عن هذه التأييد وتنفيذه، وهذا ما يفسر أن قرار الكونغرس بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس اتخذ سنة 1995 ولم ينفذ حتى الآن؛ وفي حزيران 2009، أجل أوباما تأجيل القرار لستة أشهر أخرى.

 

فالمسألة لا تتعلق بعدم نية الولايات المتحدة تسليم القدس لإسرائيل، بل بإيجاد وسائل لتجنب العقبات المذكورة.  ولو أتيح تجاوز هذه العقبات لقامت الولايات المتحدة بنقل سفارتها وإعطاء الاسرائيليين السلطة الكاملة على القدس والسماح لهم بهدم المسجد الأقصى وإقامة ما يشاؤون مكانه. إلا أن أي خطوة أمريكية بهذا الاتجاه ستجعل من الصعب على أي زعيم عربي أن يبقي علاقات عادية معها.

 

وهنا يبرز الدور الذي يريد أوباما أن يلعبه: إعطاء القدس للاسرائيليين من خلال إقامة دولة فلسطينية يظهر أوباما كوسيط نزيه كفل قيامها رغم أنف اسرائيل لتتفاوض مع اسرائيل على وضع القدس وتتولى الدولة الفلسطينية وحدها الدفاع عنها فإذا تنازلت عن القدس للاسرائيليين فإن المسؤولية ستقع على عاتق الدولة الفلسطينية وقيادتها دون أن تتحمل الولايات المتحدة أي لوم في ذلك وقد استنفدت دورها ومسؤولياتها بإقامة دولة فلسطينية.

 

لكي تنجح هذه الخطة يجب إقناع الكثير من المسلمين أولا أن هناك تباينا بين الأهداف والسياسات الأمريكية والاسرائيلية وأن الرئيس الجديد محايد ونزيه. ولإقناع المسلمين بذلك تم إثارة ستاردخان جديد.

 

ستار دخان من تعارض سياسة أوباما مع اسرائيل

 

عملت إدارة أوباما على إظهار التباين بين اسرائيل والبيت الأبيض والإيحاء بوجود فجوة بينهما وقد بدر عن اسرائيل والولايات المتحدة إشارات توهم بتوتر العلاقات بينهما. وليس ذلك إلا ستار دخان يخفي وراءه التحركات الحقيقية. فإذا اخترقنا ستار الدخان سنرى الدعم المالي والعسكري المستمر من الولايات المتحدة لإسرائيل علما أن أوباما وعد بتنفيذ مذكرة تفاهم تحصل اسرائيل بموجبها على 30 مليار دولار. وما دام الدعم المالي مستمرا فإنه لا يمكن القول بأن الولايات المتحدة تريد أن تضغط على اسرائيل؛ ذلك أن الولايات المتحدة لديها فيتو على أي قرار أو سياسة اسرائيلية من خلال التهديد بوقف المساعدات الأمريكية لاسرائيل.

 

وفي محاولة لنشر ستار دخان آخر يغطي الأهداف الحقيقية للرئيس أوباما، فإنه قال في خطاب أمام منظمة إيباك أثناء حملته الانتخابية بأن القدس ستبقى عاصمة لاسرائيل وستبقى موحدة. ولما أثارت هذه الأقوال استياء في العالم الإسلامي، صرح مستشارو أوباما أن موضوع القدس هو من قضايا "الحل النهائي" التي يتم التفاوض عليها بين الأطراف المعنيين. وهذا يكشف أن نية إدارة أوباما هي جعل القيادة الفلسطينية الممثلة بمحمود عباس (المذعن) تتفاوض على القدس وتقدمها لاسرائيل (تحت الضغط والدعم الأمريكي لاسرائيل). ورغم ذلك إذا لم يكن بالإمكان إقامة دولة فلسطينية بدون التأييد الأمريكي فإنه لا شك أن قدرة الدولة الفلسطينية على مفاوضة اسرائيل ستكون واهية دون أي تأييد أو تدخل أمريكي لضمان عدالة وجدية المفاوضات. ولنا أن نتساءل فيما إذا كانت قدرة القيادة الفلسطينية على التمسك بالقدس في مفاوضات الحل النهائي ستكون أكبر من قدرتها على متابعة وعرض تقرير غولدستون المتعلق بغزة والذي جرى سحبه من قبل القيادة الفلسطينية تحت الضغط الأمريكي والاسرائيلي. وقد وصف يوسي ساريد إجبار الرئيس عباس على سحب التقرير بأنه مثل إرغامه على الانتحار (هآريتس، 16/4/2009).

 

ورغم أن أوباما قال للمسلمين في خطابه الذي ألقاه في القاهرة أنه يتطلع لليوم الذي تكون فيه القدس موطنا دائما وآمنا لليهود والمسيحيين والمسلمين، فإن هذا الكلام لا يصلح ما أفسده الوعد الذي قطعه على نفسه أمام الإيباك. لا يمكن للمرء أن يقول الحقيقة في حديثين متناقضين. أحد الحديثين لا بد أن يكون كذبة، ولنكتشفها علينا أن ننظر لمسيرة أوباما الانتخابية والجماعات التي دعمته.

 

حاخامات من أجل أوباما - لماذا؟

 

على عكس حملة اليمين المتطرف ضده وعلى النقيض من رسائل البريد الالكتروني التي كانت تحث اليهود الأمريكيين على عدم التصويت لأوباما، كان هناك دعم وتأييد له من قبل الزعامات المؤثرة والحاخامات اليهود الذين كانوا يحثون أتباعهم على تجاهل تلك الرسائل والدعوات. وتم تأسيس موقع الكتروني على الانترنت أعلن فيه مئات من الحاخامات دعمهم لأوباما. لقد أعلن أحد الحاخامات وهو سام غوردون أنه يعرف أوباما منذ ثمان وعشرين سنة، وعن صلات أوباما مع الوسط اليهودي في شيكاغو قال الحاخام إنها "ولا أقوى" وأن أوباما يفهم التجربة اليهودية الأمريكية ويدرك "أهمية اسرائيل باعتبارها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط والحليف الأقوى لأمريكا". وقال الحاخام نفسه أن "هذه الانتخابات هي أهم انتخابات رئاسية في حياتنا". ومع أننا سمعنا عن وجود حاخام في عائلة أوباما حسب صحيفة الجيروسالم بوست، إلا أننا لا نعرف ما الذي جعل عضو كونغرس سابق مثل ابنير ميكفا يقول أن باراك أوباما له "ييديش نيشاما" (روح يهودية) وأنه" سيكون أول رئيس يهودي في الولايات المتحدة".

 

إن حملة التأييد والعبارات التي أشرنا لأمثلة منها لم تصدر عن أناس عاديين أو سذج، بل صدرت عن أركان وقيادات المجتميع اليهودي في الولايات المتحدة. فلماذا حظي أوباما بهذا الدعم كله؟ لا بد وأن أوباما وعدهم بشيء ثمين بالمقابل، وأعتقد أنه وعد الأوساط اليهودية الأمريكية والاسرائيليين بكل إخلاص أنه سيسهل استيلاءهم على القدس بما فيها المسجد الأقصى. وكل المؤشرات تدل على ذلك. وقبل أن نتهم ب"نظرية المؤامرة" أقتبس كلام المعلق الإسرائيلي أوري افيني حول الأحداث الأخيرة في القدس الشريف:

 

"الموضوع الذي شغل أخبار هذا الأسبوع هو القدس. حدث كل شيء "فجأة". فجأة اشتعل اللهيب في جبل الهيكل بعد أن مر شهر رمضان بهدوء نسبي. ... وفجأة دعا علماء مسلمون حول العالم الإسلامي المليار ونصف المليار مسلم للنهوض دفاعا عن الأماكن المقدسة. (ولم يحدث شيء.)  قائد الشرطة في القدس لديه تفسير واحد: أن المسلمين ’جاحدو المعروف‘ فقد ’سمحنا‘ لهم بالصلاة بسلام طيلة رمضان وهكذا يقابلون صنيعنا. ... لكن في عيون العرب – وليس العرب وحدهم – فإن الأمر مختلف تماما. فمنذ سنوات كثيرة والمجتمع العربي في القدس تحت الحصار. ومنذ أصبح بنيامين نتنياهو رئيسا للوزراء ونير باراكات عمدة للقدس، صار الشعور بالحصار أكبر من عدة أوجه. كلا الرجلين ينتمي لليمين المتطرف وكلاهما يسعى إلى التطهير الإثني." ... "وإن الفضيحة التي تجري الآن على أعتاب المسجد الأقصى هي جزء من هذه القصة. ما يجري هو شيء غير مسبوق: الحفر في بلدة داود (وهو دعاية إعلامية واضحة) تمت إحالته للجماعة الدينية المتطرفة، أتيرت كوهانيم، التي تبني أيضا الحي اليهودي المثير للجدل في القدس وحولها. ... ويعتقد كثير من العرب أن الهدف أكثر خبثا ويتمثل في الحفر تحت المسجد الأقصى للتسبب في هدمه. ... وإن هناك رمزية ما في التقارب الزمني بين منح جائزة نوبل وأحداث جبل الهيكل..." (أوري افيني، اسرائيل الأخرى. 10/10/2009.)

 

كل هذه الأحداث، بما فيها من تعد واقتحام للمسجد الأقصى، وهدم بيوت العرب في القدس، وتهجيرهم، تتم بعلم وسكوت مريب من أوباما. ولا ننسى سكوته إزاء الهجوم الاسرائيلي على غزة. وهذا يبين أن الاسرائيليين ما كانوا ليقدموا على كل هذه الاعتداءات السافرة   لو لم يكونوا واثقين أنهم سيتلقون الدعم الأمريكي ومن الرئيس أوباما شخصيا. وهذا ليس استنتاجي بل نجده في أقوال مراقبين وأنصار لاسرائيل. مثلا يقول جيفري جولدبيرغ، وهو من أهم الصحافيين المختصين بالشؤون الاسرائيلية، "السيد أوباما في الواقع أكثر تأييدا لاسرائيل من ايهود اولمرت أو ايهود باراك." (جيفري جولدبيرغ، نيويرك تايمز، 18/5/2009.) ولا يمكن النظر إلى ما قاله السيد جولدبيرغ على أنه سطحي أو متسرع، فهو شخص مهتم باسرائيل. بل إنه نقل عن الحاخام ارنولد جاكوب وولف  قوله إن أوباما "يستميت في الدفاع عن اسرائيل" وإنه "يدافع عن اسرائيل بشكل لا أقوم به أنا، كعضو في حركة السلام الآن، وهو الدفاع عن الاحتلال." ولا داعي للخوض في أنصار اسرائيل الذين قربهم أوباما ومنهم كبير موظفي البيت الأبيض رام ايمانويل.

 

الخلاصة:

 

إن الرابطة المتينة بين المسجد الأقصى والقرآن والحديث الشريف وتاريخ الإسلام تجعل المسجد الأقصى من أكثر الأماكن تقديسا وتعظيما في قلوب المسلمين حول العالم. ولقد أدرك المحتلون هذه الحقيقة وتجنبوا المساس بالمسجد الأقصى منذ احتلته قوات الحلفاء سنة 1917. حتى عندما جاء القائد الفرنسي هنري غورو ووقف عند قبر صلاح الدين وضربه بقدمه قائلا "الآن انتهت الحروب الصليبية! قم يا صلاح الدين، فقد عدنا! وإن وجودي يمثل انتصار الصليب على الهلال" فإن القوات الغربية لم تستهدف المسجد الأقصى رغم أنه كان أثمن شيء حرره صلاح الدين.

 

وعندما أقر الكنيست الاسرائيلي سنة 1980 قانونا يقضي بالأمر الذي أعلنه أوباما أمام الإيباك وهو أن القدس الموحدة والكاملة عاصمة دولة اسرائيل، أعلن مجلس الأمن في الأمم المتحدة بطلان القانون الاسرئيلي [اغلبية 14 صوتا وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت]، وقد كان بإمكان أي دولة من الدول الاربعة عشر أن تمتتنع عن التصويت إلا انها لم تفعل مما يشكل اقرارا – ولو ضمنيا - بأن المساس بالقدس والمسجد الأقصى سيكون له عواقب وخيمة على الاستقرار الدولي.

 

واليوم في زمن يسود فيه اللامنطق، فإن البعض يظن أنه يمكن أخذ القدس والمسجد الأقصى من المسلمين بتغيير مناهجهم أو غير ذلك.

 

ومن الوقائع والأدلة التي عرضناها آنفا، يتضح أن أوباما وعد بتسهيل إعطاء الاسرائيليين القدس والمسجد الأقصى من خلال استغلال جاذبيته ومهاراته للتخفيف من ردود أفعال المسلمين. ومكمن الخطورة أن وصول أوباما للبيت الأبيض ترافق مع ظهور اسرائيل المتجرئة التي تظن أنها يمكن أن تفعل ما تشاء دون أن تخشى شيئا في واشنطن. ففظاعة ما ارتكبته في غزة، والاعتداءات المستمرة على المسجد الأقصى والقدس تدل على أن اسرائيل اكتسبت فجأة ثقة بالنفس لم تعهدها من قبل.

 

لذلك علينا ألا ننخدع بصورة أوباما كوسيط نزيه ومتعاطف مع المسلمين فإن ولاءه لاسرائيل ومع طموحاتها. وعلينا أن نتذكر أنه إذا كان تم توظيف أوباما ليكون واجهة لمشروع يجتذب تأييد المجتمع الأسود في شيكاغو بسبب لونه، فإنه ليس من المستبعد أبدا أن يكون هناك من يظن أن خلفية أوباما الثقافية التي تنطوي على صلة واهية بالمسلمين يمكن أن تجعله مقبولا لدى المسلمين لتمرير مخطط أخذ المسجد الأقصى منهم نهائيا.

 

ما الذي ينبغي أن يفعله المسلمون؟

 

أولا، يجب ألا ننخدع بالخرافة التي تصور أوباما كرسول سلام، وعلينا أن نركز على الدروس المستفادة من تجربة أوباما كواجهة لكوفمان (كيلمان). ومن الممكن أن يكون أوباما أكثر إضرارا بالمسلمين من سلفه.

 

ثانيا، علينا أن نعلن بوضوح أننا لن نصدق الدعاية الأمريكية حول وجود تباين وخلاف بين الإدارة الأمريكية واسرائيل ولا مزاعم عجز الإدارة الأمريكية عن إقناع اسرائيل طالما ظل الدعم المالي والعسكري الأمريكي لاسرائيل متواصلا. فالولايات المتحدة تطبق عقوبات على دول عديدة تعارض السياسات الأمريكية مثل سوريا، كوريا الشمالية، بيلاروس، بورما، السودان، إيران، وإلى آخر القائمة الطويلة من العقوبات الأمريكية. وفقط عندما تطبق الولايات الأمريكية عقوبات على اسرائيل جراء جرائمها ضد الفلسطينيين يمكننا أن نبحث في عجز أمريكا عن إقناع اسرائيل أو وجود حلاف بينهما. أما في الوقت الحالي فإننا لا نرى إلا التنسيق والانسجام بين الإدارة الأمريكية واسرائيل وخير دليل على ذلك تحالفهما في الضغط من أجل تأجيل مناقشة تقرير غولدستون في الأمم المتحدة. ولم يكتف أوباما بذلك بل صوتت إدارته ضد القرار ولصالح إسرائيل. ثم حاول أوباما الالتفاف بخفة على "التجميد الكامل للاستيطان."

 

هذان مثالان من بين قائمة طويلة للخدع والحيل الموجهة ضد المسلمين من خلال سياسة التضليل والكلام القابل لأكثر من تأويل. وبالطبع يريدون من العرب التخلي عن مطلب "تجميد الاستيطان" وأن يقيموا تعاونا اقتصاديا وعلاقات تجارية في مجال الاتصالات مع اسرائيل. والسبب وراء ذلك هو الاعتقاد بأنه إذا شعر الناس أن أمورهم المعيشية أصبحت على المحك فإنهم سيتساهلون في أي موضوع (كتساهل الشعب الأمريكي بتقديم 700 مليار لبنوك ذات إدارات مشبوهة). فإذا أصبح العالم العربي معتمدا على اسرائيل اقتصاديا وتكنولوجيا فإنه سيكون لديهم حافز للتساهل حول المسجد الأقصى حتى يستولي عليه الاسرائيليون نهائيا.

 

إن نتيجة التصويت على تقرير غولدستون يوم 5/11/2009هي سبب كاف  لكل الدول العربية والإسلامية لتعلن سياسة موحدة لعدم التعاون مع الدول الثمانية عشرة التي صوتت ضد القرار بما فيها الولايات المتحدة. (علما أن وزير الخارجية البريطاني تعهد في رسالة لمجلس الزعماء اليهود في بريطانيا بتاريخ 5/11/2009 بالعمل على تبني قرار في الأمم المتحدة لا يدعم تقرير غولدستون). وقد امتنعت بريطانيا مع بعض الدول الأوروبية عن التصويت، وهذه هي الدول نفسها التي قلما توفر مناسبة لإعطاء المسلمين دروسا في حقوق الإنسان بقصد الطعن في الإسلام والقرآن، أما عندما تعلق الأمر بأفعال اسرائيل في غزة، ابتلعت هذه الدول ألسنتها فجأة. ماذا سيقول أطفال غزة الذين شوهتهم القنابل الفوسفورية عن هذا الموقف عندما يكبرون؟

 

ثالثا، إذا استمرت الاعتداءات على الهوية الإسلامية للقدس الشريف ولم يحصل تجميد الاستيطان فإن على الشعوب الإسلامية أن تطالب حكوماتها بتجميد التعاون الثنائي مع نظام أوباما. وبدلا من تصريحات التحذير على الحكومات الاسلامية أن تفرض مواعيد قصوى وتلتزم بها، فعلينا أن نهلن أنه إما أن تجمد اسرائيل الاستيطان والاعتداءات على المسجد الأقصى وإما أن يقوم السملمون باتجميد على طريقتهم – فنقوم بتجميد التعاون الأمني، وتجميد العقود التجارية، والالتزامات الخاصة بمجموعة العشرين الكبار، ومساهماتنا في صندوق النقد الدولي، وهكذا. عندها فقط سيبدأ العالم بالتفكير مليا وعقلانيا. في الواقع إن عبارة أفيني السابقة حيث قال إن علماء مسلمين "حول العالم الإسلامي دعوا المليار ونصف المليار مسلم للنهوض دفاعا عن الأماكن المقدسة. (ولم يحدث شيء.)" ينبغي أن تجعلنا نخجل. وهنا علينا أن نكرر دعوات العلماء المسلمين حتى يعلن المسلمون بصوت واحد أن للمسجد الأقصى مكانة عظيمة في قلب كل مسلم.

 

رابعا، هناك حاجة لحركة عالمية لتنظيم فعاليات وأنشطة منتظمة في كل مدن العالم الرئيسية طالما ظل التهديد للمسجد الأقصى قائما. ومن الأهمية بمكان أن يجدد كل مسلم إيمانه ويقينه وأن ينبذ كل الدعوات التي تهدف إلى إضعاف اليقين بالقرآن. وأود أن أذكر أولئك المسلمين الذين يوصفون بالمفكرين وينادون بعدم التمسك بقدسية القرآن واليقين فيه بأنهم ينجرون وراء الاعتداء على المسجد الأقصى، وفي كل مرة ينادي فيها "حداثي" أو "إصلاحي" بترك الحكمة المنقولة عبر 1400 عام واعتناق الشك حول القرآن والحديث فإن قلوب الأعداء تخفق طربا وتفاؤلا بأن خططهم تحقق تقدما كبيرا.

 

خامسا، يجب أن نعي دائما أن المسجد الأقصى لا يمكن إنقاذه إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى وقد وعدنا الله بذلك. ولنتذكر أن أحد المفسرين وهو أبو الحكم الأندلسي أشار في سنة 522 هجرية إلى أن المسجد الأقصى سيحرر من الصليبيين بعد 60 عاما استنادا إلى تفسيره لفواتح سورة الروم كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية. وبالفعل تم تحرير المسجد الأقصى سنة 583 هجرية. وعلينا أن نستفيد من ذلك أننا أمة صابرة ولا تفقد اليقين بربها ووعده. وأننا نسعى للاقتداء بخاتم النبيين المبعوث رحمة للعالمين، وإن إيماننا وسلوكنا قائمان على الحكمة المستمدة من تلك الرحمة. فنحن لا نهدف إلى بث النزاع ونشر الدمار في العالم ونتطلع إلى أن يبادل هؤلاء الذين يتبوءون  المسؤولية تسامحنا بالعدالة وألا يفسروه إهمالا أو لامبالاة بالمسجد الأقصى.

 

"ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين" (آل عمران، آية 54).

 

·       هذه المقالة ترجمة عن المقالة الأصلية باللغة الانجليزية بتصرف واختصار.

 

 

Oxford Cross-Cultural Research Institute

www.occri.org.uk